آراء

زلازل تركية وارتدادات سورية

   هل سيخرج أردوغان هذه المرة من عنق الزجاجة؟ معروف أن ما يجري في تركيا من قمع واضطهاد وتراكم لعقود من السياسات الداخلية والخارجية المشوهة من قبل حزب العدالة والتنمية الذي يقودها أردوغان والتي أثبتت فشلها كانت النتيجة الحتمية لما يجري في الشارع التركي، وبات معروفاً أن رجب طيب أردوغان أصبح يتقن فنون البقاء في السلطة أكثر من فنون السياسة ويجيد العزف على وتر الطائفية لتجييره لمصالح الأمن القومي التركي في معظم دول الشرق الأوسط، التي شاءت لها الأقدار أن تسقط في وحل الربيع العربي، واستطاع أردوغان المعروف بحنكته ودهائه ولعبه على حبال التناقضات بين مصالح الدول العظمى في المنطقة أن يستميل ويتحالف مع الإسلام الراديكالي الإرهابي الإخواني في كل من قطاع غزة ومصر وتونس وليبيا وسوريا.

   والمظاهرات العارمة التي اجتاحت كل المدن التركية بعد اعتقال أكرم إمام أوغلو والتي كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير،  وتبين أن المستقبل السياسي لتركيا في ظل هذه الأحداث المتلاحقة أصبح محفوفاً بالأخطار والتحديات، لاسيما أن المعارضة في تنامي قوتها، فيجد أردوغان نفسه أمام معركة صعبة وعليه أن يدفع ضريبة مغامراته السياسية والاقتصادية، وهي في جوهرها تعكس الصراع السياسي الحاد في تركيا يترافق ذلك مع تزايد الغضب الشعبي والتحديات الاقتصادية الهائلة، التي لم تعد تنقذها الحقن المالية لأمير فقاعة الغاز القطرية تميم بن حمد، وربما يفقد بن حمد في المستقبل القريب الحليف الاستراتيجي له وبهذا يكون ((چلاها حمد)).

   إن هذا الصراع المحتدم يعكس انقساماً هاماً في المجتمع التركي بين تيارين متناقضين، التيار الإسلامي الأصولي برئاسة أردوغان والتيار العلماني الذي يقوده أكرم إمام أوغلو، فالتيار الإخواني الأردوغاني سجله حافل بالجرائم والإبادات ضد الكرد في عموم أنحاء كردستان وخاصة في روژآفاي كردستان واحتلاله لأجزاء واسعة من الأراضي السورية وتدخله السافر في كل تفاصيل الشأن السوري، والجرائم والمذابح التي ارتكبت في الساحل السوري بحق الطائفة العلوية كان بتحريض من نظام أردوغان، والمذبحة الأخيرة في ريف كوباني والذي ذهب ضحيتها سبعة أطفال من عائلة واحدة، ناهيك عن تجييشه للسنة المتطرفين من جنسيات أيغورية وأوزبكية وأفغانية وشيشانية وتركمانستانية في سوريا ضد المكون العلوي والدرزي والإسماعيلي والمسيحي والكردي وغيرهم، وفي حال سقوط أردوغان أو ضعضعة حكمة فإن ذلك سيؤثر بشكل مباشر على إدارة أحمد الشرع في دمشق التي أصبحت مطية في يد الاستخبارات التركية والتي ستهتز حتماً وستصبح أثراً بعد عين وسيكون لهذه الانتفاضة الزلزال ارتداداتها على الأراضي السورية وسيتلاشى فصائلها الإرهابية بعمشاتها وحمزاتها أثراً بعد عين في حال إن سقطت قلعتهم بيد العلمانيين.

   في حقيقة الأمر أن التحالف الغربي ودول حلف شمالي الأطلسي قد ضاقت ذرعاً بسياسات أردوغان المتناقضة كلياً مع استراتيجياتهم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حيث تهديده المستمر لليونان وجمهورية قبرص وقرصنته لمياههما الإقليمية ومطامعه في الاستحواذ على الساحل السوري الواعد باحتياطي غزير من النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية.

   ومن ناحية أخرى فهي تشكل عائقاً أمام السياسات الجيوستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية ومصالحها القارية والممرات التجارية العالمية المزمع إنشاؤها، وحتى الليرة التركية التي انهارت مجدداً ووصلت إلى عتبة الخمسين ليرة للدولار الواحد.

   إن هذا النظام يترنح أمام الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وأكرم إمام أوغلو ينادي من وراء القضبان: “الشعب سيحطم السلاسل والأكاذيب”، وأعتقد جازماً أن هذه الانتفاضة الشعبية سيغير وجه تركيا واستراتيجيتها الأردوغانية الإخوانية، ولا مجال للدولة الدينية والقومية الشوفينية العنصرية فكلاهما تنازع تحت ضغط العولمة والحداثة الإمبريالية والتكنولوجيا الفائقة التطور.

محمد شيخموس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى