افتتاحيات الجريدة

التخبط السياسي والوضع الكارثي في سوريا

-1-

   مر أكثر من ثلاثة أشهر على سقوط نظام البعث والأسد في سوريا واستيلاء هيئة تحرير الشام وحلفاؤها على السلطة في دمشق ولازالت الأوضاع في البلاد غير مستقرة، ولم يجر اتخاذ التدابير والتوجهات الأولية التي من شأنها إعادة بناء سوريا كدولة، كما لم يتم تحديد الأهداف والرؤى وتحديد النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي التي من شأنها إنارة الطريق لمستقبل سوريا وإن كان معظم السوريين يعرفون خلفيات الحكام الجدد ونمط تفكيرهم الذي يتشكل على قاعدة تيار إسلامي متطرف، كما يعرف معظم السوريين أن البلاد مقسمة والشعب السوري منقسم وأنه من الضروري بذل كل الجهود من أجل سوريا حرة وموحدة.

   في مناطق الشمال السوري بأكمله، وهي المناطق الكردية لازالت تركيا موجودة فيها كدولة احتلال بأعلامها وقواتها العسكرية وتداول عملتها، ولازال سكانها مهجرون عن بيوتهم وممتلكاتهم، بل أن دولة الاحتلال لاتزال تشن الهجمات والقصف الجوي والمدفعي على القرى والمدن الآمنة، وهجماتها المستمرة على سد تشرين وجسر قرقوزاق وعين عيسى وتل تمر وزركان وكوباني، وأكثر من ذلك لازالت تركيا في دمشق أقوى من الحكام الجدد، بل أنها تحدد سياسة سوريا الخارجية والداخلية، ولازالت إسرائيل مستمرة في احتلال المزيد من الأراضي السورية وقواتها قريبة الآن من العاصمة دمشق دون أن تحرك الإدارة الجديدة ساكناً.

   وفي المجال الداخلي كان ما سمي بمؤتمر الحوار الوطني مهزلة حقيقية لا يمكن تسميته قطعاً بمؤتمر حوار حيث غيبت عنه كافة المكونات السورية الأساسية من قوى وأحزاب سياسية وممثلي القوميات والأديان والمذاهب، وبذلك فإنه ليس فقط لم يثمر عن شيء، وإنما كان له أثر سلبي على وحدة الشعب السوري، وكذلك ما سمي بالإعلان الدستوري الذي خيب آمال جميع السوريين في تطلعهم نحو الانتقال إلى دولة ديمقراطية وكرس الحكم الفردي والاستبداد، والأدهى من كل ذلك هو استمرار الأعمال الانتقامية والتصفيات  الجسدية والقتل على الهوية كان أكبرها ما جرى ويجري في الساحل السوري ومحافظتي حمص وحماة، بل وفي دمشق نفسها، وما يتردد من أنباء حول زيارة مرتقبة لرئيس الإدارة الجديدة أحمد الشرع لتركيا بهدف توقيع اتفاقيات مع الأتراك تسمح لتركيا بإقامة قواعد عسكرية في عدة مناطق من سوريا يشكل توجهاً خطيراً ويهدد استقلال سوريا كدولة، ولعل عدم مطالبة الإدارة السورية الجديدة من تركيا إيقاف عدوانها المستمر على سد تشرين وجسر قرقوزاق وغيرها من المناطق السورية، وعدم إعادة مهجري عفرين وسريكانيه إلى قراهم ومدنهم يشكل جزءاً من سياسة هذه الإدارة في التنسيق الكامل مع تركيا في عدائها للشعب الكردي، وكل ذلك يدل على أن هناك تخبطاً كبيراً في سياسة الحكام الجدد في تحديد مستقبل سوريا وإعادة الأمن والاستقرار إليها، وإذا استمر الوضع هكذا فهذا يعني أن سوريا تعيش كارثة حقيقية.

-2-

   أعلنت السلطة الجديدة حل أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية ومصادرة ممتلكاتها وأموالها، علماً أن حزب البعث كان قد أعلن وقف نشاطه قبل صدور قرار حل أحزاب الجبهة، ومن جهة أخرى فإن السلطة الجديدة لم تقم بإصدار قانون للأحزاب والنقابات والجمعيات، ولا تعترف أصلاً بكل الأحزاب والتجمعات الموجودة سابقاً أو التي تشكلت حديثاً بعد سقوط نظام البعث، وهذا يعني تعطيل الحياة السياسية في البلاد واحتكار السلطة لكل فعل أو توجه أو موقف سياسي، وهذا غير ممكن أو مقبول حتى في مجاهل غابات أفريقيا، وهذا يعني عدم الاعتراف بالمعارضة والرأي الآخر وضرورات التنوع السياسي والثقافي والاجتماعي في البلاد بكل مكوناتها، علماً أن سوريا مشهورة منذ نشأتها في بدايات القرن العشرين بالأحزاب والقوى السياسية والاجتماعية وبالتعددية السياسية، سواء كانت الأحزاب المشاركة في الحكم أو تلك التي في المعارضة، وقد عرفت معظم الأحزاب السجون والمعتقلات والملاحقات وقدمت شهداء، ومن هذه الأحزاب أحزاب تجاوز عمرها 100 عام وأخرى أكثر من نصف قرن، وقد ساهمت جميعها في مقارعة الاستبداد والديكتاتوريات، ولا يمكن لأية سلطة أن تعتم على هذه الحقيقة خاصة أنه في الظروف الجديدة من حياة سوريا ليس هناك سوري لا يعمل في السياسة أو لا يؤيد حزباً من الأحزاب أو توجهاً سياسياً محدداً، وساهمت الأزمة السورية الحالية في تعميق هذه الظاهرة، ولذلك فإن على السلطة الجديدة إصدار قانون عصري للأحزاب يتوافق مع التطور السياسي والاجتماعي والثقافي للشعب السوري.

   إن عدم إصدار قانون للأحزاب والنقابات والجمعيات يعني أن لا وجود في قاموس الإدارة الانتقالية أي توجه نحو الديمقراطية، كما يعني احتكار السلطة والثروة وقمع كل المعارضين والحكم الفردي المطلق، وفتح أبواب السجون والمعتقلات، ويترافق مع تعطل الحياة السياسية تعطل دوائر ومؤسسات الدولة المختلفة من إدارية واقتصادية واجتماعية وثقافية وهو ما يلحق أشد الضرر بحياة المواطنين، إذ لا يمكن في الحياة المعاصرة أن تسير الحياة في أية بلاد دون عمل هذه المؤسسات، يضاف إلى ذلك تسريح عشرات الآلاف من العمال والموظفين الذين كانوا يعملون في مؤسسات الدولة، وهم ليسوا من فلول النظام كما يحلو للبعض تسميتهم، وقطع رواتبهم وتركهم يعيشون ضائقة مالية شديدة والفقر الشديد في ظل تعطل الحياة العامة هو أمر لا علاقة له بالعدالة، بل أنه يزيد في مآسي السوريين، وقد ذهبت الوعود التي قطعت بزيادة الرواتب والأجور بنسبة 400% أدراج الرياح.

-3-

   من أجل إعادة الأمور إلى نصابها وتأمين الأمن والاستقرار في البلاد، فإن على الإدارة الجديدة في سوريا الاستماع إلى آراء الشعب السوري بجميع مكوناته القومية والدينية والمذهبية، والانفتاح على القوى السياسية، وعلى الشارع السوري بشكل عام، وعدم التفرد بالقرار، الانطلاق من فكر الدولة وليس من الفكر الانقلابي الذي يغلب الفكر الواحد والقائد الأوحد واللون الواحد.

   الشعب السوري بحاجة ماسة إلى مؤتمر وطني حقيقي يشارك فيه ممثلو جميع المكونات السورية القومية والدينية والمذهبية والقوى والأحزاب السياسية وقوى المجتمع المدني دون إقصاء، مؤتمر يخرج بتوافقات وطنية عامة وهي كثيرة، وعليه فإن الضرورة تقضي بإعادة النظر في المسألتين الرئيستين التاليتين:

1- إلغاء الإعلان الدستوري السابق، والبدء بإعداد إعلان دستوري جديد تشارك في صياغته كافة المكونات السورية دون إقصاء، والتوصل إلى إعلان دستوري يعترف بالتعدد والتنوع وبالديمقراطية، ويحدد دور السلطات الثلاث والفصل بينها، ويساوي بين جميع السوريين في الحقوق والواجبات، ويمنع احتكار السلطة ويضمن عدالة توزيع الثروة، ويقصر من عمر السلطة الانتقالية إلى أقل من سنتين، ويجعل من سوريا دولة ديمقراطية تعددية لامركزية.

2- الإعداد لعقد مؤتمر وطني جديد حقيقي يضم جميع المكونات السورية بهدف توحيد السوريين على منطلقات وتوجهات وطنية سورية وتعيد الثقة بينها على أسس من المصالحة الوطنية والتسامح، وتحديد مستقبل واضح لسوريا كوطن لجميع السوريين.

-4-

   في هذه المرحلة الدقيقة والخطيرة من تاريخ سوريا تقع على عاتق الكرد بكافة قواهم وأحزابهم السياسية وعلى عاتق قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا مهام وواجبات كبيرة، خاصة أنهم يشكلون اليوم الأمل لمعظم أبناء الشعب السوري، عليهم أن يرصوا صفوفهم من أجل تحقيق:

1- الحقوق القومية للشعب الكردي.

2- حقوق جميع المكونات السورية.

3- سوريا ديمقراطية تعددية لامركزية.

4- وحدة سوريا وحماية حدودها الدولية.

   إن توصل القوى والأحزاب السياسية الكردية إلى وثيقة مشتركة تحدد مطالبها القومية وتوجهاتها نحو سوريا المستقبل هو محل ترحيب الكرد، والمهم الآن هو أن يتم عقد مؤتمر يحوي ممثلي جميع القوى السياسية والمثقفين والشخصيات الاجتماعية والمهتمين بالشأن العام، وإقرار هذه الوثيقة وجعله عرساً قومياً يلتف حوله جميع الكرد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى