آراء

تركيا وإسرائيل تتصارعان على سوريا

   يعرف الجميع أن تركيا أردوغان رعت منذ بداية الأزمة السورية كافة المجاميع الإرهابية، بدءاً من داعش ومروراً بجبهة النصرة والحزب التركستاني والمجموعات الأفغانية والإيغور والأوزبك…الخ، كل مخابرات العالم كانت تراقب كيف أن تركيا كانت تستقبل عبر مطاراتها وموانئها البحرية وحدودها البرية كل تلك المجاميع الإرهابية، وكيف تدربها وتدخلها إلى سوريا، ولا تستطيع تركيا إنكار تلك الحقيقة لأنها موثقة من جهات عديدة، فهل كانت تركيا راعية خير ولوجه الله، ودون مقابل في رعاية كل هؤلاء الإرهابيين؟ بل أكثر من ذلك فقد حولت تركيا حتى ما يعرف بالجيش الوطني إلى مرتزقة تستخدمها لتنفيذ أجنداتها ومطامعها وناغورني قره باغ وليبيا وشمال وشرق سوريا والقارة الأفريقية كلها تشهد على ذلك.

   والآن وبعد أن هيأت تركيا ورعت وساندت هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) وحلفاءها في السيطرة على السلطة في دمشق، وإخراج القوات الإيرانية فإنها تسعى جاهدة للظفر بسوريا ووضعها في خدمة مصالحها وكأنها إحدى الولايات العثمانية، وهي الآن تتغلغل في كل مفاصل الدولة السورية، ومن جانب آخر تريد رد المعروف، ومكافأتها على خدماتها بإقامة قواعد عسكرية في عدة مناطق من سوريا، إضافة إلى المناطق التي تحتلها سابقاً كعفرين وإعزاز والباب ومنبج وجرابلس وإدلب وسريكانيه وكَري سبي، وبهذا تكون تركيا قد حلت محل إيران في السيطرة على سوريا ومحاربته للكرد وقسد والإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا.

   على الجانب الآخر من الحدود تراقب إسرائيل المشهد السوري بكل تفاصيله، ولأنها لا تثق بالحكام الجدد في سوريا وتعرف خلفياتهم وارتباطاتهم وبخاصة بتركيا قامت بتدمير كل الأسلحة الاستراتيجية للجيش السوري السابق، واحتلت العديد من المناطق السورية بما في ذلك جبل الشيخ الذي يشرف على دمشق، وتوغلت في كامل الجولان وأرياف درعا، ويقف جيشها على مقربة من العاصمة دمشق، وأصبح الصراع في سوريا بين تركيا وإسرائيل معروفاً للقاصي والداني، وإذا كانت تركيا الآن تسيطر على القرار السوري سياسياً وعسكرياً فإن إسرائيل لن تقبل بأن تحل تركيا محل إيران في تهديد حدودها وأمنها، ولن تقبل أن تصبح تركيا جارة لإسرائيل لأن إسرائيل ترى في ذلك خطراً جدياً عليها كما كانت إيران، ولهذا فقد خرج هذا الصراع والتهديدات المتبادلة بين الجانبين إلى العلن وهي في الواقع تناقضات حقيقية وجدية، وكان القصف الإسرائيلي لمطار منغ مؤشراً ودليلاً واضحاً على ذلك، ومن جانب آخر فإن الدول العربية وفي مقدمتها مصر والسعودية والإمارات تراقب الوضع الناشب عن كثب، لقد فرحت تلك الدول بخروج إيران من سوريا وحاولت أن تستوعب الحكم الجديد في دمشق، وكانت هناك اتصالات وزيارات متبادلة بين الجانبين لأن الدول العربية كانت تريد جر سوريا إلى البيت العربي، كانت الدول العربية تعرف المعادلة جيداً، لقد فرحت بخروج إيران من سوريا ولكنها من جهة أخرى كانت تعرف العلاقة بين تركيا والحكام الجدد وأهدافهما المشتركة، ولذلك فإنها لن تكون مسرورة أبداً بمشاهدة تركيا وهي تملك مفاتيح الدولة السورية، أو سوريا تحت النفوذ التركي، ولذلك فإنها لن تقف مكتوفة الأيدي عما يجري.

   بالتأكيد أن ما يجري في سوريا ليست مسألة داخلية وإقليمية فقط، إذ جرى تدويل الأزمة منذ الأيام الأولى للأزمة السورية، ولهذا فإن الصراع بين تركيا وإسرائيل سيمتد إلى البعد الدولي، وإذا كانت الأمور كذلك فأين إرادة وموقف الشعب السوري بكل مكوناته، وهل تبقى مغيبة؟ إن عموم الشعب السوري إذ يراقبون كل هذه التطورات والأحداث ويجب أن يكون لهم رأي وموقف آخر، وهو الموقف الوطني السوري الذي يجب أن يكافح من أجل سوريا حرة ذات سيادة يقرر مصيرها السوريون بأنفسهم، سوريا ديمقراطية تعددية لامركزية تتمتع مكوناتها بحقوقها كاملة، ويكون السوريون هم أسياد بلدهم بسياساتها ومواقفها المستقلة النابعة من مواقف أبنائها دون أية تدخلات أو ضغوطات خارجية، وأن تقيم علاقاتها على أساس المصالح المشتركة وتحافظ على حدودها الدولية وفق الأعراف والمواثيق الدولية.

صالح عباس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى